Saturday, November 11, 2006

قليل من الصدق


كم أنا بعيد الآن.. آلاف الأميال تفصلني عن تلك البقعة الساحرة من الأرض. تلك الأرض الحزينة الحكيمة العاشقة الساكنة الصاخبة المشحونة الهادئة المستكينة، تلك البقعة من الأرض التي سلبت عقول وحياة الملايين ولا تزال قابعة في سكونها الغامض تحبس الدمع في أعينها وتبكيني. تلك الصامتة بديعة الجمال لا تحتاج أن تتحدث أو تتأوه كي تبكيني. تلك الأميرة النبيلة الراقدة في صمت تشاهد الفئران والباعوض تعبث بمملكتها التي صنعتها بأصابع من ذهب قادرة، دون غيرها،علي أن تبكيني.

لماذا تطارديني في كل أركان المعمورة؟ أليس من الأحري أن أنعم هنا بثمرة عنائي وهذه الفترة المثيرة من حياتي؟ لماذا وقد وجدت لنفسي أخيرا مكانا حيث كل شيء متاح ومباح أجد نفسي أتوق لقليل من العناء؟ أتمني أن أستنشق ذلك الهواء المخلوط بالتراب والعوادم وحرارة الجو فأقفز إلي منتصف طريق مكتظ بالسيارات والناس فأري وجوها منهكة غارقة في العرق والهموم لكنها جميلة، تشاركني الصراع اليومي المرير من أجل استمرار الحياة، ذلك الصراع الفريد الذي دائما ما يكلل بالنجاح وقد حكم عليه الزمان بالفشل؟ لماذا؟

هل تحكمت في جيناتي حين كنت نبتة صغيرة في أرضك فجعلتي حواسي معلقة بك؟ أم أنها ألاعيبك السحرية التي تأسر قلوب البشر فتجعلها تهفو إلي عبيرك وعذابك؟ لماذا كل هذا وأنا ابنك؟ لكني لا أؤمن بالسحر ولا بالجينات.

أنا أؤمن بالعشق. لهذا فقط تبكيني. ولهذا فقط أكتب الآن علي هذا الجهاز في هذا المربع الضيق الذي يتسع لخواطر قد لا يقدر المحيط الذي يفصل بيننا علي احتوائها. قليل من الصدق هو كل ما أريد. وقليل من الصدق هو كل ما تحتاجينه ويحتاجه عشاقك الظالمين المظلومين. كم هو جميل أن أبوح لك بما في قلبي. لا مجال للخوف بعد الآن فأسوأ عقاب قد أناله هو الموت! لذا فلا داعي للخوف فقد صارحتك بمشاعري ونواياي. أنا الآن أري طريقي بوضوح أسير فيه راضيا واثقا. إلي الأبد.